مع كل فصل شتاء، تشهد بعض المناطق حول العالم ظواهر طبيعية استثنائية تخطف الأنظار وتثير فضول العلماء. وبين تساقط الثلوج وتجمد الأنهار، تظهر أحيانًا مشاهد تبدو وكأنها من عالم آخر، ومن أغربها بحيرة تتحول سطحها إلى مئات، بل آلاف الأقراص الجليدية الدائرية التي تدور ببطء فوق المياه، في منظر مدهش جعل الكثيرين يعتقدون في البداية أنه خدعة بصرية أو عمل فني صُمم بواسطة الإنسان.
لكن الحقيقة مختلفة تمامًا، فهذه الأقراص تتكون تلقائيًا بفعل الطبيعة، دون أي تدخل بشري، نتيجة تفاعل دقيق بين درجات الحرارة المنخفضة، وحركة المياه، وسرعة التيارات، والرياح. وقد دفعت هذه الظاهرة علماء الجليد والجيولوجيا إلى إجراء دراسات مكثفة لفهم كيفية تشكل هذه الدوائر المثالية التي يصعب تصديق أنها نتاج عمليات طبيعية فقط.
ومع انتشار الصور ومقاطع الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت البحيرة حديث العالم، وتوافد إليها المصورون وعشاق الطبيعة من مختلف الدول لمشاهدة واحدة من أندر الظواهر الشتوية على سطح الأرض.
ما قصة الأقراص الجليدية الدائرية؟
الأقراص الجليدية هي كتل من الجليد تتخذ شكلًا دائريًا يكاد يكون مثاليًا، ويختلف قطرها من بضعة سنتيمترات إلى عدة أمتار، بينما سجلت بعض الحالات التي تجاوز فيها قطر القرص عشرة أمتار.
وتتشكل هذه الأقراص فوق الأنهار والبحيرات التي تتميز بحركة مياه مستمرة، حيث تبدأ قطعة جليدية صغيرة بالتشكل، ثم تدور بفعل التيار المائي، ومع استمرار الدوران تصطدم بحواف الجليد المحيط بها، فتتآكل أطرافها تدريجيًا حتى تصبح دائرة شبه كاملة.
ويشبه العلماء هذه العملية الطريقة التي تتحول بها الحجارة داخل الأنهار إلى أشكال ناعمة ومستديرة بعد سنوات من الاحتكاك المستمر.
أين شوهدت هذه الظاهرة لأول مرة؟
رغم أن الأقراص الجليدية ظهرت في أكثر من دولة، فإن أشهر المشاهدات كانت في:
الولايات المتحدة.
كندا.
السويد.
فنلندا.
روسيا.
كما سجلت ظواهر مشابهة في بعض الأنهار الأوروبية خلال موجات البرد القاسية، لكن عدد الأقراص وحجمها يختلف من مكان إلى آخر حسب الظروف الجوية.
لماذا تتخذ شكلًا دائريًا؟
ظل هذا السؤال لغزًا لسنوات، قبل أن يتمكن الباحثون من تفسيره اعتمادًا على قوانين الفيزياء.
ويحدث ذلك نتيجة اجتماع عدة عوامل، أهمها:
دوران المياه في شكل دوامة.
احتكاك الجليد بحواف النهر أو البحيرة.
انخفاض درجات الحرارة.
تجمد الطبقات الخارجية باستمرار.
ذوبان أجزاء صغيرة ثم تجمدها مرة أخرى.
ويؤدي هذا الاحتكاك المستمر إلى إزالة الزوايا الحادة تدريجيًا، حتى يتحول الجليد إلى قرص دائري متناسق.
هل تتحرك الأقراص الجليدية؟
الإجابة نعم، وهذه من أكثر المشاهد إثارة.
ففي كثير من الأحيان تستمر الأقراص في الدوران ببطء فوق سطح الماء لساعات، وأحيانًا لأيام كاملة إذا بقيت الظروف الجوية مستقرة.
وقد سجل الباحثون أقراصًا تدور بسرعة ثابتة دون أن تتوقف، وهو ما جعل بعض الأشخاص يعتقدون في البداية أنها تتحرك بواسطة محركات خفية.
لكن الحقيقة أن حركة المياه وحدها كافية لإبقاء القرص في حالة دوران مستمرة.
كيف اكتشف العلماء سر الظاهرة؟
في البداية، اعتقد الباحثون أن الرياح هي السبب الرئيسي، لكن بعد إجراء تجارب ميدانية واستخدام كاميرات عالية الدقة، تبين أن التيارات المائية هي العامل الأكثر تأثيرًا.
كما استخدمت نماذج حاسوبية لمحاكاة حركة المياه، وأظهرت النتائج أن الدوامات الطبيعية قادرة على تشكيل الأقراص وتحريكها بطريقة دقيقة للغاية.
لماذا يهتم العلماء بهذه الأقراص؟
لا تقتصر أهمية الظاهرة على جمالها، بل توفر معلومات قيمة حول:
حركة المياه في الأنهار.
تأثير درجات الحرارة على الجليد.
سلوك الدوامات المائية.
التغيرات المناخية.
ديناميكية تشكل الجليد في البيئات الباردة.
ويأمل الباحثون أن تساعد هذه الدراسات في تحسين فهم الظواهر الجليدية التي تؤثر في الأنهار والبحيرات خلال فصل الشتاء.
هل يمكن رؤية الظاهرة كل عام؟
ليس بالضرورة.
فالأقراص الجليدية تحتاج إلى ظروف دقيقة جدًا حتى تتشكل، وإذا اختل أحد هذه العوامل فقد لا تظهر إطلاقًا.
ومن أهم الشروط اللازمة لتكوّنها:
انخفاض شديد في درجات الحرارة.
تيار مائي معتدل السرعة.
غياب العواصف القوية.
وجود جليد رقيق في بداية التكوين.
استمرار البرودة لعدة أيام متتالية.
ولهذا السبب تعتبر هذه الظاهرة نادرة، ولا يمكن التنبؤ بحدوثها بسهولة.
كيف تبدو الأقراص الجليدية عند مشاهدتها عن قرب؟
يؤكد المصورون الذين تمكنوا من الاقتراب من هذه الظاهرة أن المشهد يختلف تمامًا عما يظهر في الصور ومقاطع الفيديو. فالأقراص تتحرك بهدوء فوق سطح الماء، بينما تعكس أشعة الشمس أو ضوء القمر بطريقة تمنحها مظهرًا ساحرًا.
وفي بعض الحالات، تتجمع عشرات الأقراص الجليدية بجوار بعضها البعض، فتبدو وكأنها عمل هندسي متقن، رغم أنها تشكلت بالكامل بفعل الطبيعة.
ويصف العديد من الزوار التجربة بأنها واحدة من أكثر المشاهد الشتوية غرابة وإبهارًا، خاصة عندما تبدأ الأقراص بالدوران في الوقت نفسه، فيبدو سطح البحيرة وكأنه يتحرك ببطء في لوحة طبيعية نادرة.
هل تشكل الأقراص الجليدية خطرًا؟
رغم جمالها، يحذر الخبراء من الاقتراب منها دون اتخاذ احتياطات السلامة، لأن الجليد الذي تتكون منه قد يكون رقيقًا في بعض المناطق.
ومن أهم الإرشادات التي توصي بها الجهات المختصة:
عدم السير فوق الأقراص الجليدية.
الالتزام بمسارات المشاهدة المخصصة.
عدم الاقتراب من حواف الأنهار المتجمدة.
ارتداء ملابس مناسبة للبرد القارس.
اتباع تعليمات فرق الإنقاذ والسلطات المحلية.
وتساعد هذه التعليمات في تقليل مخاطر الانزلاق أو السقوط في المياه شديدة البرودة.
أغرب الحقائق عن الأقراص الجليدية
توجد العديد من المعلومات التي تجعل هذه الظاهرة أكثر إثارة للاهتمام.
1. ليست جميع الأقراص بالحجم نفسه
قد لا يتجاوز قطر بعضها نصف متر، بينما يصل قطر أقراص أخرى إلى عدة أمتار، بحسب قوة التيار وظروف التجمد.
2. يمكن أن تدور لساعات طويلة
إذا بقيت الدوامة المائية مستقرة، فقد يستمر القرص في الدوران لفترات طويلة دون أن يتوقف.
3. تتكون بصورة طبيعية بالكامل
لا يحتاج تكوينها إلى أي تدخل بشري، بل تنتج عن تفاعل الماء والجليد والحرارة والتيارات.
4. يصعب التنبؤ بظهورها
حتى مع تطور توقعات الطقس، لا يستطيع العلماء تحديد موعد تشكلها بدقة، لأنها تعتمد على مجموعة من العوامل المتغيرة.
5. أصبحت موضوعًا للدراسات العلمية
تستخدم الجامعات ومراكز الأبحاث هذه الظاهرة لفهم حركة الجليد في الأنهار والبحيرات وتأثير تغير المناخ عليها.
كيف أثرت وسائل التواصل الاجتماعي في شهرة الظاهرة؟
قبل انتشار الإنترنت، لم يكن يعرف بهذه الأقراص سوى سكان المناطق الباردة وعدد محدود من الباحثين. لكن بعد تداول مقاطع الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي، شاهد الملايين هذه الظاهرة للمرة الأولى.
وأثارت المقاطع جدلًا واسعًا، إذ اعتقد بعض المستخدمين أنها معدلة باستخدام برامج التصميم، بينما ظن آخرون أنها تجربة علمية أو عمل فني.
وبعد نشر التفسيرات العلمية، تأكد أن المشهد حقيقي بالكامل، مما ساهم في زيادة شهرة البحيرات التي تظهر فيها هذه الأقراص.
ماذا يقول العلماء؟
يرى الباحثون أن الأقراص الجليدية مثال رائع على قدرة الطبيعة على إنتاج أشكال هندسية دقيقة دون تدخل الإنسان.
كما يؤكدون أن دراسة هذه الظاهرة تساعد على:
فهم حركة المياه في البيئات الباردة.
تطوير نماذج للتنبؤ بتجمد الأنهار.
دراسة تأثير تغير المناخ على البحيرات.
تحسين الأبحاث المتعلقة بالأنهار الجليدية.
فهم العلاقة بين درجات الحرارة والتيارات المائية.
ويعتقد بعض العلماء أن دراسة هذه الظاهرة قد تفيد في تطوير تقنيات تستخدم في الهندسة البيئية وإدارة الموارد المائية.
لماذا تجذب البحيرة السياح؟
تحولت البحيرات التي تظهر فيها الأقراص الجليدية إلى وجهات سياحية موسمية، خاصة لعشاق التصوير والطبيعة.
ومن أبرز أسباب الإقبال عليها:
مشاهدة ظاهرة نادرة يصعب رؤيتها في أماكن أخرى.
التقاط صور فريدة للدوائر الجليدية.
الاستمتاع بالمناظر الشتوية الخلابة.
التعرف على تفسير علمي لظاهرة غريبة.
المشاركة في الجولات البيئية المنظمة.
وتحرص السلطات المحلية على تنظيم الزيارات للحفاظ على البيئة ومنع إلحاق الضرر بالبحيرة.
أسئلة شائعة
هل يمكن رؤية الأقراص الجليدية في أي بحيرة؟
لا، فهي تحتاج إلى ظروف محددة تشمل درجات حرارة منخفضة، وحركة مياه منتظمة، ودوامات طبيعية تساعد على تشكيل الأقراص.
هل تتحرك الأقراص من تلقاء نفسها؟
تبدو وكأنها تتحرك ذاتيًا، لكن الحقيقة أن التيارات المائية والدوامات هي التي تدفعها إلى الدوران.
هل تتكرر الظاهرة كل عام؟
قد تظهر في بعض السنوات وتختفي في سنوات أخرى، حسب الظروف الجوية ومستوى تجمد المياه.
ما أكبر قرص جليدي تم تسجيله؟
سجل الباحثون أقراصًا بلغ قطرها عدة أمتار، ويختلف الحجم من موقع إلى آخر وفقًا لقوة التيارات وظروف التجمد.
خاتمة
تثبت ظاهرة الأقراص الجليدية الدائرية أن الطبيعة ما زالت قادرة على إبهار الإنسان بأشكال ومشاهد يصعب تصديقها. فهذه الدوائر التي تتكون تلقائيًا فوق البحيرات والأنهار ليست مجرد منظر جميل، بل تمثل مثالًا حيًا على تفاعل دقيق بين الفيزياء والمناخ وحركة المياه. وقد ساعدت الأبحاث العلمية على كشف جزء من أسرار هذه الظاهرة، لكنها ما زالت تثير فضول الباحثين وعشاق الطبيعة حول العالم. ومع استمرار دراسة البيئات الجليدية، قد تكشف السنوات المقبلة تفاصيل جديدة تجعل هذا المشهد الشتوي أكثر إدهاشًا، وتؤكد أن الأرض لا تزال تخفي بين تضاريسها عجائب طبيعية تستحق الاكتشاف والحفاظ عليها.

0 تعليقات